Monday, 20 December 2010

أوروبا والعرب في العصور الوسطى- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي

كتبت هذا البحث في السنة الثانية من دراساتي للعربية. لذلك أعتذر اذا كان أسلوبه ركيكا

                                                                                                                           
المقدمة

يُعتبر عهد العصور الوسطى من أشد وأظلم عصور التاريخ البشري. لقد بدأت حقبة العصور الوسطى في عام ٣٥٠ م تقريباً واستغرقت حوالي ألف ومئة سنة. إذاً هذه الحقبة من التاريخ تتضمن حركات وإمبراطوريات وحروب وظواهر وحضارات ساهمت في حياكة نسيج حضاراتنا اليوم.  
من الملفت للانتباه أن عدولاً عن التعلّم والتقدّم ساد في أوروبا ولاسيما في العصور الوسطى المبكرة. باعتبار هذا السياق يسمّي بعض المؤرخين تلك الفترة "العصور المظلمة". قبل ذلك سيطرت الهلينستية بمعنى الأفكار والثقافة اليونانية (الإغريق) واللاتينية. وشهد ذلك العصر نشاطاً شهيراً بحثاً عن العلم في اليونان ومستعمراتها والإمبراطورية  الرومانية . وبرزت أسماء معروفة بفضل تراثهم المتأثر. ومن الأسماء المشهورة- أرسطو وأفلطون وإقليدس وأبقراط وغيرهم.
 لقد تفككت الإمبراطورية  الرومانية تدريجياً بسبب انشقاق الجزء الشرقي عن بقية الإمبراطورية  وانكسارها إلى ممالك أصغر وأضعف. ثم طرأت على  المجتمع الأوروبي غارات جرمانية اجتاحت أوروبا لمدة طويلة وساهمت في انحطاط الإمبراطورية  الرومانية وتحوّلها إلى نظام إقطاعي مظلم. يتّصف ذلك الوقت بانتشار المسيحية وتحريم كثير من المعرفة الكلاسيكية استجابةً لاحتقار  الوثنية.
 تضاءلت الثقافة الهلينستية المستنيرة فلم يلبث أن اِستولى ظلم العصور الوسطى على أوروبا حتى شرقت شمس النهضة عليها في القرن الرابع عشر تقريباً.  لكن لم تصل أوروبا إلى النهضة بنفسها٬ بل ساعد العلماء العرب على صيانة وتعميق تراث الهلينستية وبدؤا حركة ترجمة غير مسبوقة  واِكتشفوا اكتشافات عديدة جليلة ونبغوا في العلوم كلّها. وهذه الحركة حازت على اهتمام أوروبا ونقلت تلك الاِكتشافات والعلوم التي مهّدت نهائياً الطريق إلى النهضة الأوروبية.
إن أحداث العصور الوسطى تعكس التأثيرات التي ظهرت أثناء ذلك الوقت. وهي تفكّك الإمبراطورية الرومانية وعواقبه والكنيسة وما يرتبط بها من انتشارها ونفوذ البابوية والأديرة بالإضافة إلى الجامعات والحركات الفكرية التي تأثرت من العرب بفضل وسائل الاتصال ونقل الأفكار.    
 يجدر بنا أن نهتم بهذا الموضوع والبحث عنه لأن معظم الناس يجهلون الحقائق الحقيقية المتعلّقة بهذه الفترة التاريخية المميّزة. إنه أيضاً موضوع مثير للاهتمام كما إنه مطروح للتفسير والنقاش بالنسبة لأهمية العوامل التى لعبت دوراً في تطوير التاريخ وتكوين حضارتنا.
يركز هذا البحث على وصف وضع أوروبا في العصور الوسطى وعلى أهمية تأثير العرب في تطوّر أوروبا.  وهدف هذا البحث هو الإجابة على الأسئلة التالية؛ لماذا تفوّق العرب في حين ظلّت أوروبا جاهلة؟ وماذا كانت نتيجة انتقال المعرفة العربية إلى أوروبا؟ وهل كان العرب أصحاب الفضل في قيام النهضة الأوروبية؟ سأقوم بهذا البحث عن طريق تدقيق وتحليل العهود المتعلقة بالموضوع والارتباطات بين العرب والاوروبيين فيها. ينبغي عليّ أيضاً أن أقرر حالة أوروبا وحالة العرب خلال هذا الوقت لكي أصل إلى خاتمة.

أسباب بداية العصور الوسطى في أوروبا

تفكك الإمبراطورية الرومانية

 أسباب وقوع العصور الوسطى لا تقتصر على حادث واحد فحسب٬ بل لعبت عوامل عديدة دوراً في تحوّل أوروبا إلى نظام إقطاعي عانى فيه الفرد من عدم الحقوق والفردية. لقد توتّرت الإمبراطورية الرومانية تحت وطأة حجمها في مطلع القرن الثالث الميلادي ولم يستطع الأباطرة السيطرة عليها وحمايتها. وتجلّت هذه الظاهرة في الهجومات المتواصلة من طرفين. هجم الفرس من الشرق واقتحمت القبائل الجرمانية من شمال أوروبا. في أثناء هذه المعارك قررت روما أن تغيّر عدة مؤسسات في الإمبراطورية من أجل إصلاح الجيش. نتيجةً لذلك ازدادت قوّة عسكرية الجيش قوّةً واستغل تأثيره على الزراعة والصناعة بشكل غير مسبوق في تاريخه. إذاً لم يلبث الجيش الروماني أن بدأ يلجأ إلى اغتيال الأباطرة وحصل على العرش. استمرت هذه الفوضى إلى أن ثبت الإمبراطور ديوكلتيان السلطة في عام ٢٨٤ ميلادي.



لكن خطر على باله أن لم يكن بوسعه السيطرة العسكرية والإدارية والإستراتيجية على الإمبراطورية  الهائلة بالكامل. فعيّن حاكما إضافياً يحكم معه بالتعاون. أدى هذا القرار إلى انشقاق الإمبراطورية عندما احتكر إمبراطور القسطنطينية (٢٧٤-٣٣٧م)  الهيْمنة  على كل الإمبراطورية وأسس فيما بعد عاصمته الجديدة في الشق الشرقي وأطلق عليها  "القسطنطينية" (أيْ مدينة إستانبول في تركية الحديثة) في عام ٣٣٠ ميلادي .ويجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا وقع بالغ الأهمية لأنه يلمّح الى انتقال السلطة والنفوذ فضلاً عن الثقافة والحضارة من الغرب إلى الشرق وأفسح مجالاً للتفاعل والاتصال مع الشرق الأدنى عن طريق بيزنطة.


غارات الجرمان

الشق الشرقي من الإمبراطورية ظل سليماً بينما استولت غزوات الجرمان على الشق الغربي الضعيف من كل فج عميق حتى أسقطوه سنة ٤٧٦ م. اندمج الجرمان سريعاً مع الأهالي المحيطين بهم في أوروبا لكنهم عاشوا في ظل قوانينهم ونظامهم القبلي وخضع المحكمون لِسادة الجرمان الذين ظلوا منفصلين عن الرومان وحضارتهم طويلاً. فالناس لم يزدهروا وما كان "من عزاء وسط هذه الظروف القاسية سوى النظر إلى الماضي٬ إلى مجد الإمبراطورية الرومانية وعظمتها"[1]. نتيجةً لذلك ظلت الإمبراطورية الرومانية الضخمة نموذجاً للشعوب في أوروبا الجديدة من حيث المدن والتجارة والأدب والنظام. لكن بدلاً من التنظيم الروماني دخلت أوروبا النظام الإقطاعي التي يتصف بتوزيع أرض الأمير أو السيّد الإقطاعي علي الفلاحين الذين استأجروا هذا الأرض مقابل جزء من المنتجات الزراعية والخدمة العسكرية.

دور الكنيسة

امتاز حكم القسطنطينية أيضاً بإعلانه عام ٣١٣م اعتناق المسيحية والاعتراف بها كدين من اديان الإمبراطورية . قبل ذلك عانى المسيحيون من الاضطهاد بدعم الأباطرة. أما دوافع القسطنطينية فمن التأكيد أنه  اكتسب نفوذاً سياسياً  كبيراً في تحالفه مع أتباع المسيحية.[2] لكن بغض النظر عن دوافعه جدير بالذكر أن الكنيسة ملأت فراغ السلطة في غرب أوروبا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس. والحق أن الكنيسة الكاثوليكية أثّرت في الكثير من الظواهر وأحداث العصور الوسطى سلبياً وإيجابياً أيضاً. لقد كانت الكنيسة  مسؤولة عن بعض المستجدات التي تستحق اعترافنا بها لكن ظلّت الكنيسة ثابتة أيضاً كما يكشف هذا البحث عنه. فمن المهم أن نسلّط  الضوء على هذا الموضوع.
نرى أنه كان هناك علاقة شديدة بين الإمبراطورية الرومانية والكنيسة منذ القرن الرابع. يتجلّى هذا في تسمية الكنيسة كالكنيسة الكاثوليكية الرومانية. كما يتجلّى في غاية المنظمتين أيضاً فاستهدفتا توجيه كل الناس والسيطرة عليهم. وعندما سقطت الإمبراطورية في غرب أوروبا في القرن الخامس, وجدت الكنيسة نفسها مسؤولة عن توجيه شعوب غرب أوروبا ثم أخدت تعزّز مكانها وتحتكر كل شيء ، ببساطة لأنها حلّت محّل تلك الإمبراطورية، الأمر الذي جعل تأثير الكنيسة أبرز ظاهرة من ظواهر العصور الوسطى.
مهما كان الأمر ورثت الكنيسة بعض تراث الحضارة الرومانية وساعدت على استمراره وتطويره قليلاً. وهذا على خلفية تأسيس أديرة في كل أنحاء غرب أوروبا. يشير المؤرخ محمد الخطيب إلى أهمية دور الأديرة فيزعم أنها, "كانت عندئذٍ بمثابة جزر مضيئة يشع منها بريق المعرفة وسط بحر واسع الظلمات يعمه الجهل والفوضى"[3]. ولا غبار عليه أن أنقذت الأديرة بعض التراث الفكري الروماني من الاندثار بسبب الاتصال بينها والرحلات التي قام بها الرهبان الذين نقلوا الأفكار والكتب من دير إلى دير آخر. ويجب ألا يغيب عن بالنا أن الأديرة أسست من أجل العبادة وليس من أجل تعميق العلم. في حقيقة الأمر عكف الرهبان على قراءة ونسخ كتب متعلقة بالمسيحية  فحسب، وبما فيها الإنجيل وكتابات آباء الكنيسة وغيرها. إذا لجأ مجمع قرطاجة الديني إلى إعلان تحريم قراءة كتب غير المسيحيين عام ٣٩٨م.[4] ونظراً لمكتبات الأديرة, من الواضح أن هؤلاء الرهبان ورجال الدين لم ينتهزوا فرصة التعلّم وتخصيب مكاتبهم ولم استوعبوا أهمية تبديل كتبهم الدينية بكتب علمانية كما فعل العرب في نفس الفترة, بل استهجنوا الابتكار وظلّوا نتيجةً لذلك أقل حضارةً من الرومان الذين سبقوهم.
إن عدد الشركاء في الحياة الفكرية أيّامها اقتصر على فئة ضئيلة تكوّنت من نخبة مثقفة فهمت اللغة اللاتينية الرومانية القديمة. في الحقيقة كانت اللغة اللاتينية على وشك الانقراض في أواخر القرن السابع كلغة محكية شائعة. لم تُستخدم اللاتينية في كتابة أغلبية الكتب فحسب, وإنما اُستخدمت في الكنيسة واللاهوت في كل المجالات. ولا حاجة للبيان أن استخدام لغة مجهولة بلا جدوى ولا ينفع للعامة. فلذلك اضطر الناس إلى الاِستغناء عن التعرف على معتقداتهم
(١٦٦٢-١٦٢٣م) على معضلة الكنيسة وقال, "إن البابا يبغض ويخشى العلماء الذين ليسوا خاضعين له".[5] وفي النهاية لم تستطع الكنيسة المُفْزَعة منع تدفق هذه المعلومات ولجأت إلى تكفير العلماء. تبلور هذا عندما اُستدعي المفكر الإيطالي غاليليو (١٦٤٢-١٥٦٤م) إلى محاكمة في روما حيث اُستجوبَ واضطر فيها للتراجع عن أفكاره لأنه قام بإعادة النظر في تعليم الكنيسة الرسمي الذي أصر على أن الأرض في مركز الكون.[6]
ولم يفصّل الأوروبيون مجال الدين عن مجال العلم لمدة طويلة وفي هذا الصدد كان الابتكار في أوروبا محدداً جداً. بالإضافة إلى ذلك ظلّت الكتب في أوروبا في أوائل العصور الوسطى محفوظة في الأديرة ولم تلمسها إلا أيادي الرهبان ورجال الدين.
ومن حيث المكتبات التابعة لِلأديرة قبل ١٢٠٠ ميلادي, لم تتجاوز الكتب في كل مكتبة أكثر من مئة كتاب ومخطوطة. والأديرة الأضخم في أوروبا عندئذٍ لم تملك أكثر من ٣٠٠  كتاب ومخطوطة. ووفقاً لمصادر موثوقة اشتغل حوالي ٤٠ كاتباً بنسخ كتب ومخطوطات, ومع ذلك ما أنتجوا أكثر من مخطوطتين بينهم كل سنة[7]. فوق ذلك لم تتوفر هذه الكتب والمخطوطات للشعب الأوروبي غير الرهبان ورجال الدين.



انتشرت الكاتدرائيات في أوروبا العصور الوسطى بعد أن اضمحلّت أهمية الأديرة بمثابة أهم مركز الثقافة. اختلفت الكاتدرائيات عن الأديرة لأنها فتحت أبوابها أمام الطلاب العلمانيين في حين أغلقت الأديرة أبوابها إلا أمام رجال الدين والرهبان. إذاً من الإنصاف أن نصف هذا كنقطة التحوّل في تاريخ أوروبا لأنها المرة الألى نرى فيها مؤسسات للتعليم غير دينية.
اشتهرت الكاتدرائيات أيضاً بحجم مكتباتها. لكن هذه المكتبات ما كانت خارقة مقارنةً بالمكتبات العربية. على سبيل المثال  زعم بعض الباحثين أن مكتبة قرطبة في الأندلس احتوت على ٦٠٠٠٠٠ كتاب بما فيها كتب يونانية مفقودة في الغرب. وهذا أدى إلى تسمية قرطبة "جوهرة العالم".[8] كما كان يوجد في مكتبة القاهرة ما يقارب مليوني كتاب ويقال إن مكتبة طرابلس في لبنان كانت تحوي على أكثر من ٣ مليون كتاب قبل أن يتم تدميرها على يد الصليبيينمن المدهش أن هذا العدد من الكتب تجاوز عدد كل الكتب الموجودة في أوروبا في ذلك الوقت. وحتى في أواخر القرن الخامس عشر  ملكت أبرز جامعة فرنسا-وهي السُورْبن-حوالي ٢٥٠٠ كتاب فقط. لعل تدهور الإقبال على قراءة الكتب في الغرب حدث مجرد لأن الأمّية انتشرت انتشاراً ساحِقاً بسبب عدم وجود كتب مكتوبة باللغات المحكية.
على كل حال ظهرت في القرن الثاني عشر حركة إحياء الدراسات الكلاسيكية في شمال فرنسا. وفوق هذا, جذبت إليها هذه الكاتدرائيات طلاباً من ألمانيا وانجلترا وإيطاليا وجمعت هذه الطلاب في جو مثير للابتكار. إن هذا الموضوع بالغ الأهمية لأن طلاب وموظفين كاتدرائيات إسبانيا أخدوا يتواصلون بالمفكرين العرب ونصوصهم.
ويجب ألا يغيب عن بالنا أن الكتب الكلاسيكية بقيت في أغلب الأحيان في هذه الكاتدرائيات لأنه لم يملك المدنيون ثروة كثيرة. وهذا منع غزارة العلوم في أوروبا.

العرب

لا بد من مناقشة الظروف والعوامل التي أدت إلى نشاط العرب بالنسبة للعلوم واكتشافات البدع التي اشتهر بها هذا الشعب.
من بادىء الأمر يلفت انتصار الفتوحات الإسلامية الانتباه التي وحّدت العرب وأسست الإمبراطورية  الإسلامية العربية العظيمة التي هزّمت الفرس وغيرهم بنجاح وامتدّت في ذروتها من الأندلس غرباً إلى أطراف الهند والصين شرقاً في أوائل القرن الثامن ميلادي (انظر الخريطة تحت). وطبعا،ً امتدّ نفوذ العرب أبعد من ذلك. انتقلت عاصمة الخليفة العباسية من دمشق إلى بغداد حيث توفّر العلم وفيراً. وهذا على الأساس تأثر العباسيون بالفريضة الإسلامية التي تشجّع مصراً على قيمة المعرفة. تكاتفوا مع الحديث الذي يقول "حبر العالِم مساوٍ لدم الشهيد"[9]. فلم  يتورّع الخليفة المأمون عن تأسيس مؤسسات خاصة للتعلّم وترجمة كتب يونانية وغيرها جذبت إليها العلماء على اختلاف جنسياتهم وأديانهم. ومن هذه المؤسسات "بيت الحكمة"  التي أُنشأت في بغداد عام ٨٣٠ ميلاديكُرّس بيت الحكمة لتطوير وتعميق الأعمال المجمعة من الحضارات الصينية والفارسية والمصرية وشمال أفريقيا واليونانية والإسبانية والصقلية والبيزنطية[10]. سنعود إلى موضوع بيت الحكمة فيما بعد.






 


██ التوسع في زمن الرسول محمد 622-632
 ██ التوسع في زمن الخلفاء الراشدين 632-661
 ██ التوسع زمن الخلافة الأموية 661-750



                                                                                    

 أسباب ازدهار العلوم عند العرب
                                                                               
كما  قلنا سابقاً، شهدت الحضارة العربية الإسلامية سعياً محموماً للتعلّم في تلك الفترة المعروفة بالعصر الذهبي للإسلام . وصف مؤرخ درجة مساهمات الفلاسفة والشعراء والفنانين والعلماء العرب بهذا التعبير-"حمل المسلمون لواء المعرفة في العالم- شرقية وغربية- عدة قرون٬ توصلوا فيها إلى معارف ونتائج جديدة٬ لم يعرفها معاصروهم من الأمم إلا عنهم٬ الأمر الذي جعل الحضارة الإسلامية٬ باعتراف الغربيين٬ أعظم حضارة شهدها العالم في العصور الوسطى"[12]
إذا ما هي العوامل المهمة التي ساهمت في تلك الظاهرة؟
أولاً نلاحظ اتساع الإمبراطورية  الإسلامية على خلفية وحدة القبائل العربية بفضل الإسلام, الأمر الذي أدى إلى تأسيس مدن حضارية وكثير منها قائمة إلى اليوم كبغداد والبصرة والقاهرة ومدن الأندلس وفاس حيث نشأت جامعة القيروان  في عام ٨٥٩ ميلادي. وهي أقدم جامعة في العالم  طبقاً لكتاب "جينيس للأرقام القياسية"[13].
 هذه المدن كانت مراكز ثقافية جذبت إليها المثقفين المسلمين والمسيحيين واليهود نتيجةً لِلتسامح الديني الموجود, الأمر الذي ساعد في خلق جو ملائم للتعلم والدراسة. لم يكتف حال المدن بهذا فحسب، بل ركّز العرب على حرية التعبير, يجسّده النص التالي المأخوذ من رسالة الهاشمي (و هو قريب للخليفة المأمون) إلى أحد خصومه الدينيين وكان الهاشمي يحاول هديه إلى الإسلام: 

«قم بإحضار جميع الحجج التي تريدها وقل كل ما تتمنى أن تقوله وبكل حرية. وبما أنك الآن تملك الأمان والحرية في قول ما تريده، فأرجو منك تعيين حكم والذي سيتدخل بشكل موضوعي بيني وبينك ليحكم بيننا بحيث يقوم بالحكم بناء على الحقيقة فقط كما يتعين عليه أن لا يحكم بالعاطفة، وأن يكون منطقياً، حيث أن الله يجعلنا مسؤولين عن مكافأتنا أو عقوبتنا. لقد قمت هنا بالتعامل معك بأسلوب عادل وكما أعطيتك الأمان حيث أنني جاهز لقبول أي قرار منطقي يعطى لصالحي أو ضدي. وحيث أنه (لا إكراه في الدين) ((البقرة 256)) وكما أنني قمت بدعوتك حتى تقبل إيماننا عن طواعية واتفاق منك ومن خلال تبيّني لسوء معتقدك الحالي. والسلام عليكم ورحمة اللهلله»[14].
يُستفاد من هذا أن لم يكن مثقفاً  يتردد في كتابته خوفاً من العواقب.

ويجب ألا يغيب عن بالنا المستجدات التكنولوجية والاختراعات التي سهّلت الإبداع تسهيلاً. وكان الورق محورياً في تلك الفترة. لقد ظلّت صناعة الورق سراً حافظ عليه الصينيون. اكتشف العرب هذا السر من أسرى حرب بعد معركة تالاس في عام ٧٥١ ميلادي. أُسس فيما بعد مئات محلات مكرسة لنسخ الكتب على نطاق واسع وصناعتها للمكتبات المزدهرة. انتقل سر صناعة الورق إلى فاس وبعد ذلك إلى الأندلس في العصر الأموي ومن هناك إلى أوروبا في القرن الثالث عشر ميلادي.

مساهمات وابتكار العرب

لا يفوتنا أن نذكر بعض المساهمات التي قام بها العرب إما عن طريق البناء على ما اكتشف الأغريق وغيرهم سابقاً أو عن طريق ابتكار العرب أنفسهم. على كل حال نكتفي بالإشارة الإجمالية إلى بعض الاختراعات والمستجدات التي صنعت المدن العربية الزاخرة. ونجد أن هناك العديد من المفكرين الذين نبغوا في الفلك والأرصاد. ومنهم  الفرغاني الذي حاول أن يقوم بقياس قطر الأرض بتوجيه من الخليفة المأمون. وقاس الأرض بمقدار ٦٥٠٠ ميل.[15] وقطر الأرض في الحقيقة ٧٩٢٦ ميل[16]. وزيادةً على ذلك استقدم المأمون مجموعة من الفلكيين لكي يحدد محيط دائرة الأرض. ومثير للاهتمام أن الفيلسوف اليوناني اراتوسفانس (١٩٦؟-٢٧٦؟ قبل الميلادقاس محيط دائرة الأرض سابقاً بمقدار ٣٩٫٦٩٠ كيلومتر[17]. على أن المأمون أراد إعادة النظر في فلك الأغريق فقاس الفلكيون العرب المسافة بين المدينتين السوريتين تدمر والرقة بمقدار ٦٦.٥٦ ميل عربي. وقاسوا خط العرض بينهما بمقدار خط العرض واحد بالضبط. فاستنتج هؤلاء الفلكيون أن محيط دائرة الأرض هو ٤٠٫٢٤٨ كيلومتر. ومن المدهش أن هذا المقياس يقارب المقياس الحديث-وهو ٤٠٫٠٦٨ كيلومتر.  بالإضافة إلى ذلك برز في هذا الميدان العالِم البيروني (١٠٤٨-٩٧٣م) الذي كان من أصل فارسي مع أنه كتب بالعربية والفارسية واليونابية والسريانية والهندية واللاتينية, ويعتبر عبقرياً. وهو الذي قاس نصف قطر دائرة الأرض بمقدار ٦٣٣٩ كيلومتر, ونرى أن المقياس الحديث هو ٦٣٥٦ كيلوميتر. اقترح البيروني أيضاً أن الصحراء العربية قد كان محيطاً قبل ظهور الإنسان علي سطح الأرض لافتاً إلى وجود أحافير  في رمال الصحراء. فاستنتج أن العرب كانوا يسكنون أصلاً على جبال اليمن. كما افترض أن شبه قارة الهند كانت مغطاة بمحيط في نفس الوقت. وكل هذا بعد أن قدّر البيروني الملامح الجغرافية في هاتين المنطقتين. وبالنسبة إلى الفيزياء دقّق البيروني الجاذبية الأرضية واستنتج قبل ٧٠٠ سنة قبل العالِم البريطاني إسحاق نيوتون أن الجاذبية الأرضية هي "جاذبية كل شيء إلي مركز الأرض"[18] والبيروني هو الذي كتب أن سرعة الضوء أعظم من سرعة الصوت كثيراً.[19]

لقد طبق العرب حساب المثلثات على الأرصاد الفلكية واخترعوا فيما بعد آلات جديدة أمكن خلالها إعادة النظر في فلك بطلميوس (١٧٠-١٠٠ م). وهو الفلكي اليوناني الذي اقترح أن الأرض تقع ثابتاً في مركز الكون. فعمّق  وتغيّر العالِم العربي البتاني نصوص بطلميوس واكتشف فيما بعد تغير أوج الشمس. وليس هذا فحسب, بل أذهل البتاني الناس عندما حسب السنة بمقدار ٣٦٥ يوماً و٥ ساعات و٤٦ دقيقة و٢٤ ثانية. وحسب المتخصصين في الفلك اليوم أن السنة هي في الحقيقة ٣٦٥ يوماً و٥ ساعات و٤٨ دقيقة و٤٧ ثانية.[20] ومن الواجب أن نشير  إلى أن البتاني حسب ميل محور  كوكب الأرض وسجله بمقدار  ''٣٥°٢٣ وهو يقارب حقيقياً ''٠٥°٢٣.

إذا انتقلنا إلى علم البصريات نرى أن أبرز العرب أثراً هو ابن الهيثم (المتوفى سنة ١٠٢٩ م). وعلّق عنه  المؤلف ((ول ديورانت)) في كتابه "قصة الحضارة"-"لا مبالغة مهما قلنا في أثر ابن الهيثم في العلم في أوروبا".[21] لقد كان ابن الهيثم رائداً في الطريقة البحثية وأدرك أهمية تمحيص العلاقات التي تربط حقائق لاستنباط النتائج  التي قد يصل إليها. وانتقد ابن الهيثم نظرية إقليدس وبطليموس وقال لأول مرة إن الضوء ينبعث في خط مستقيم وفي كل الاتجاهات. قبل ذلك قال العلماء المذكورون إن الضوء ينبعث من العين ويتجه إلى أجسام ملموسة ثم يرجع إلى العين.[22]
فيما يتعلق بالطب نلاحظ أن للعرب الفضل في إنشاء وتنظيم  المستشفيات العامة. وأما المستشفيات العامة العربية, فهي كانت مجانية  والعلاجات كانت على حساب الدولة.[23] اشتهر كثير من الأطباء العرب بالاستنباطات الجليلة التي قدموها. فيخطر على بالنا محمد بن زكريا الرازي(٩٢٣-٨٥٤م). والملفت للانتباه أنه كتب عن كل مجالات الطب. فقد انضمّت موسوعته "الحاوي" إلى نحو كل المعرفة الطبية من الأغريق والسريانيين والعرب الذين سبقوه[24]. وقد طُبعت الترجمة اللاتينية من "الحاوي" بعنوان Liber dictus Elhavi  سنة ١٤٨٦م.[25] وفي ذلك الكتاب وصف الرازي مرض الجدري لأول مرة في تاريخ الطب.





حركة الترجمة

لقد عثر العرب على العديد من المخطوطات والكتب في إمبراطوريتهم التابعة لِلشعوب التي هزموها أو تفاعلوا معهم. ومن أهم العثور هو التراث اليوناني الذي ظلّ حياً في بيزنطة والإسكندرية وإنطاكية وصقلية. على أنها ظلّت في هذا الأماكن تدون وتدرّس بدون التطوّر. فحشد العرب هذا العلم زيادةً على كتبهم العربية في مراكزهم الثقافية. وإن معظم النصوص التي أبقى عليها العرب في فتوحاتهم الإسلامية كانت مكتوبة في اللغة السريانية وليس في اللغة اليونانية الأصلية. وهذا مهّد الطريق إلى ترجمة  هذا التراث إلى العربية في مؤسسات مثل بيت الحكمة المذكور سابقاً. وتُرجمت هذه الكتب نهائياً إلى اللغة اللاتينية وغيرها، مما استفادت منها أوروبا. ومن الحق أن غرب أوروبا لم يتعرف على  هذا التراث القديم إلا عن طريق حركة الترجمة.
لقد بدأ القيام بترجمة نصوص على يد خالد بن يزيد بن معاويةالعباسي.على أن هذه الترجمات كانت نادرة وليست منظّمة مثل الحركة التي أدت إليها هذا الترجمات الأولى.[26] وحمل الخلفاء على الحصول على العلم, هذا تجلّى في سخاء الخلفاء نحو المترجمين. فلم يقف الخلفاء مكتوفين الأيدي حيال هذه الحركة النامية, بل أشرفوا عليها. وهذا إلى حد أن المترجم حنين بن اسحق كان يكسب وزن ترجماته ذهباً.[27]
ويجب ألا يغيب عن بالنا أن استوجبت الحياة الخليفة اليومية بعض هذه الترجمات. على سبيل المثال أخذ الخليفة العباسية الثانية المنصور (المتوفى سنة ٧٧٥م) يهتم بالطب بعد أن أصيب بمرض في بطنه. فاستدعى جورجيوس بن بختشوع السرياني من أجل نقل الكتب الطبية من السريانية إلى العربية.[28]  

بيت الحكمة

أسس الخليفة هارون الرشيد بيت الحكمة في عاصمة خلافته العباسية بغداد في سنة ٢١٥ ه  (أوائل القرن التاسع ميلادي). لقد اشتغل (٢٢٦-٦٥١م) وكذلك ركّز بيت الحكمة في هذه المرحلة على ترجمة كتب فارسية بالإضافة إلى كتب سريانية ويونانية. كفلت القرطاسيات العديدة في بغداد بنشاطات بيت الحكمة كما زوّدت المكتبات للبيع الكتب ربحاً جيّداً حققته مصانع الورق. وكلّ هذا بالإضافة إلى رعاية الخليفة. برز بيت الحكمة أثناء حكم المأمون كمركز  استثنائي لدراسة الرياضيات والفلك والطب والكيمياء والعلم الحيوان والجغرافيا. وهذا على خلفية كسب وترجمة نصوص يونانية ( في أغلب الأحيان عن اللغة السريانية) والفارسية والهندية وغيرها تنضمن الفلاسفة أرسطو وأفلطون وإقليدس وفيثاغورس. على سبيل المثال قام إسحق ابن حنين وثابت بن قرّة بترجمة كتاب "أصول" من قلم أقليدس وأضافا تعليقاً انتقادياً عليه. وقد عثر الخليفة الرشيد في حوروبه على كتب كثيرة حملها معه إلى عاصمته بغداد وإلى بيت الحكمة تحديداً. ومن خلال هذا تُرجمت تحفة بطليموس "المجسطي" من اليونانية على يد المترجم البرامكة. تمّ أيضاً نقل كتلب إقليدس بفضل الحجاج بن مطر الذي عمل في بيت الحكمة. بالإضافة إلى ذلك نقل أهم كتب جالينوس اليوناني الذي قام بتشريح جثث الحيوانات في دراساته الطبية.[29]
أما العلماء الذين اشتغلوا في بيت الحكمة ونبغوا في أفكار جديدة، فعددهم لا يحصى، على أننا نكتفي بالإشارة إلى بعضهم. ومنهم الخوارزمي (٧٨٠- ٨٥٠م) الذي عكف كثيراً على الرياضيات بالإضافة إلى الجغرافيا والفلك. مزج الرياضيات اليونانية بالهندية ووضع قواعد علم الجبر وصنف فيه بمثابة رائد لأنه اكتسب النظام العشري مستعملاً الأعداد الهندية نظامياً بشمول التي نقلت إلى العرب في ذلك Algebraالوقت. بعد ذلك كتب بحثه العلمي الجليل "حساب الجبر والمقابلة". وينتسب المصطلح اللاتيني المستخدم في معظم العالم إليه.

إذاً نرى أن العرب هم أصحاب الفضل الأول في تطبيق العلوم والاكتشافات على الحياة اليومية  كما فعل الخوارزمي مع الأعداد الهندية. ولا حاجة للبيان أن هذه الأرقام لها أهمية هائلة وفوق ذلك كلّه الصفر الذي غاب عن الغرب عدد قرون. انتهز العرب الصفر فرصةً لتعميق علم الحساب وكشفوا عن مبادىء جديدة للجبر حتى نبغ علم جديد طبقوه على الهندسة. وفيما يتعلّق بالأرقام الهندية (المعروفة إلى الآن في الغرب باسم "الأرقام العربية") تم نقلها بفضل الروّاد المفكرين الذين أخذوا على عاتقهم مسؤلية تدفّق العلم الزاخر من العالم العربي إلى أوروبا.
بالنسبة للعلماء الآخرين المرتبطين ببيت الحكمة فمنهم الكندي (٨٧٣-٨٠١ م) والفيلسوف ابن سينا.


مراكز الترجمة في أوروبا

إن المعابر الرئيسية التي انتقلت العلوم العربية منها إلى غرب أوروبا كانت الأندلس  (وشبة جزيرة إيبيريا) ثم صقلية ثم المشرق في ترتيب أهميتها. كما تبادل العرب والغربيون العلوم أثناء الحروب الصلبية التي نادى بها البابا. بدأت الاتصالات بين مراكز الثقافة العربية والغرب في القرن الحادي عشر لما أدرك الأوروبيون قيمة العلم عند العرب فقدموا مترجمين لنقل هذا العلم إلى اللاتينية، الأمر الذي أدى نهائياً إلى انتهاء العصور الوسطى وفقاً للمؤرخ محمد الخطيب الذي يقول "وقد ترتب على هذه الحركة [الترجمية] ثورة علمية وفكرية شاملة في غرب أوروبا. ذلك أن المعارف الجديدة التي نقلت من العربية إلى اللاتينية جعلت الأوروبيين يفيقون من الظلمات والجهالة التي عاشوا فيها قروناً طويلة ويقبلون على الدراسات العلمية الجديدة في شغف ونهم".[30]
إذاً لا بد لنا من ذكر بعض الترجمات التي انبعثت من تلك المراكز.

الأندلس

لقد وقعت الأندلس على حدود  شعوب أوروبا فيمكننا القول إن هذا المركز الثقافي كان بمثابة جسر  قد مشى عليه العلم العربي الزاخر. حكم العرب الأندلس حوالي ثمانية قرون ريثما نقلت كثير من الترجمات إلى أوروبا. وفضلاً عن ذلك نلاحظ أن الأوروبيين رحّبوا بهذا العملية.على سبيل المثال استقدم الدون ريموندو الأسباني العلماء إلى قصر الزهراء في طليطلة (الأندلس) وطلب منهم ترجمة الكتب العربية العديدة قبل أن تظهر في مناهج المدارس المسيحية.
ومن الملحوظ جداً أن الطوائف الثلاثة شاركت في الحركة العلمية. فلم  يبق العرب يتربعون على عرش عملية الترجمة وحيدين. ونشاهد بشكل خاص أن اليهود قاموا كثيراً بتوسط بين الطائفين الأخرين-المسامين والمسيحيين- في نقل العلوم إما بوسيلة اللغة العبرية أو اللغة المحلية الدارجية. والرجل الأبرز الذى استعمل هذه الطريقة كان دومنجو غنصالبه (المتوفى حوالي سنة ١١٨٠م).وعادةً قام يهودي معرّب بترجمة النص العربي بشكل شفوي إلى اللغة الأسبانية, ثم ترجم غنصالبه النص إلى اللاتينية.[31] اشتهر أيضاً حنا الاشبيلي اليهودي بترجمة كثير من الكتب الفلاسفة و منهم الكندي والفارابي وابن سينا وقسطا ابن لوقا و الغزالي وغيرهم.
أما كتاب الخوارزمي فنقل إلى أوروبا بفضل أبرز مترجمين أوروبا جيرارد الكريموني (١١١٤-١١٨٧) الذي اشتغل في طليطلة في الأندلس حيث ترجم ٨٧ كتاباً. وفي حقيقة الأمر اختضنت جامعة أكسفورد ترجمه من "التصريف" للطبيب أبي القاسم وظلّ هذا الكتاب في مناهج تعليم طبّي أكسفورد حتى عام ١٧٧٨[32]. وفيما يتعلق بتدفق علم الطبّ، هو ليس أمر بسيط فتُرجم أكثر  من ٣٠٠ كتاب من العربية إلى اللاتينية حسب الدكتور لوكلير في كتابه "تاريخ الطب العربي".[33]

صقلية

أما صقلية فاِستولى النورمانديون عليها في سنة ١٠٩٢ ميلادي عندما حلّوا محلّ العرب. مع ذلك وظّف الملك النورماندي روجر الثاني العلماء العرب في بلاطه وشجّع عليهم وتأثر الملوك النورمانديين الثقافة العربية الزاهرة فوصلت صقلية إلى ذروتها في حكم جيوم الأول وابنه روجر الثاني المذكور سابقاً. ويتجلى هذا التأثير في عباءة روجر الثاني فكان مكتوب عليها بالحروف العربية الكوفية.[34]
ألف الإدريسي (١١٦٥-١١٠٠م) كتابه المشهور "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"في بلاط روجر الثاني. بالإضافة إلى ذلك وضع خريطة للعالم وشمل فيها وجود أمريكا[35]. أما حركة الترجمة فلم ينبغ مترجمون العرب في نقل نصوص فحسب, بل ساهم غير العرب في ذلك الأمر. وفوق ذلك ترجموا من اليونانية مباشرةً. والوزير البارز أنريكو ارستبو ترجم "الآثار العلوية" للفيلسوف أرسطو وكذلك ترجم محاورتين من أفلاطون.
نجح العلماء في صقلية نجاحاً  بسبب التعاون والتفاعل بينهم. وهذا يتجلّى في وجود العربية واللاتينية واليونانية كلغات رسمية.

عواقب هذه الحركات وتراث العصور الوسطى

استغرقت الحركة العلمية عدة قرون. فيبرز السؤال-ما هي العواقب البارزة ؟
(١٢١٤-١٢٩٤) من هذا السياق. يشتهر بيكون بأنه كان رائداً في البحث العلمي بالأسلوب الحديث بمعنى أن النتائج تعتمد على التجربة. كما شدد بيكون على ضرورة تطبيق الرياضيات مع التجارب للوصول إلى المعرفة . قبل ذلك تأثر العلماء الأوروبيون بهواجس التي منعت الابتكار. وقد أصبح بيكون قدوة لِبقية المفكرين في أوروبا بعده.  ولكن يطفو على السطح أن تأثر بيكون بالعلماء العرب وتعلم اللغة العربية من أجل التعرّف على اكتشافاتهم. كما نعرف    اليوم أن كثيراً من الاختراعات التي نعتبرها منتسبة إليه, هي مستمدة في الحقيقة من العرب (أو جاءت عن طريق العرب) مثل البارود و بعض المستجدات في البصريات والعدسات.
من الإنصاف أن  نشير مرة ثانية إلى دور العلوم العربية في تشكيل مناهج الجامعات الأوروبية الذي لمّحنا إليه سابقاً.  أما برامج الدراسة في  جامعات أوروبا فهي لم تتنوع بل اقتصرت على اللاهوت وما يرتبط به لِسببين. أولاً تطوّرت الجامعات من الأديرة والكاتدرائيات التي لم تبحث عن العلم من أجل العلم نفسه، بل قامت بدراسات لفهم الدين فقط. وثانياً كبتت الكنيسة البحث عن العلم غير الديني كما قال كاتب- "الكنيسة ومؤسساتها ورجالها هم الذين احتكروا العلم والتعليم طوال الشطر الأكبر  من العصور الوسطى"[36]. لكن اضمحلت هذه الهواجس بالتدريج وما لبث جامعات أوروبا أن درّست ترجمات علم العرب كما أشار هذا البحث إلى ذلك, وبما فيها مونبليه وبالرومو وباريس وأكسفورد ولوفان إلخ. وبقيت كتب ابن سينا والرازي والزهراوي تتعلق بالطب مدة طويلة حتى حلّت كتب حديثة محلّها. إذاً هذه الجامعات التي لا تزال موجودة تدل على الارتباطات القوّية بين العلماء العرب والتقدّم الذي تعرض له غرب أوروبا إليه في النهضة القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي.

النتائج

في بادىء الأمر يجبر بنا الإشارة إلى أن النشاطات العلمية العربية وُلدت في أحضان عملية الإخصاب بين تراث الاغريق والعلوم العربية وغيرها بفضل حصول العرب على النصوص اليونانية والسريانية إلخ. ولكن العرب لم ينبشوا هذه النصوص من الفراغ, بل تبنّوها إما من النساطرة الذين عاشوا في بلاد الشام أو من فتوحاتهم في أماكن أخرى. على كل حال حشد العرب هذه المصادر وخلقوا حركة علمية جديدة استفادت منها أوروبا كثيراً. وزيادةً على ذلك نجد أنه ينبغي علينا الكشف عن هوية هؤلاء العلماء الذين تحدثنا عنهم. فنكتشف أن كثير منهم كانوا غير عرب, وإنما فرس أو غيرهم عاشوا في المناطق التي استولى العرب عليها. ونرى على سبيل المثال أن إبن سينا والخوارزمي والبيروني كانوا من المنطقة التي نسمّيها اليوم أزبيكستان, وكانوا من أصل فارسي. كما نعرف أن لغة البيروني الأولى كانت اللغة الخوارزمية وليس اللغة العربية. وعلى صعيد حركة الترجمة نستطيع القول إن العرب أصحاب الفضل فيها لكنهم لم يكونوا يقومون بتلك الحركة وحيدين. فلا يفوتنا أن نذكر فضل نشاطات اليهود وغيرهم فيها أيضاً وخصوصاً في الأندلس حيث لعبوا دوراً مهم في التوسط بين العلماء العرب والأوروبيين المسيحيين. وساهم المترجمون الأوروبيون في نقل بعض النصوص من اليونانية مباشرةً.  مثلاً الوزير البارز الصقلي أنريكو ارستبو ترجم "الآثار العلوية" للفيلسوف أرسطو وكذلك ترجم محاورتين من أفلاطون.[37]  إذاً باعتبار كلّ هذا لا يكمننا إلا الاستنتاج أننا لا نستطيع أن نسمّي هذه الحركة العلمية التي تحدثنا عنها طوال هذا البحث "حركة إسلامية", كما يدّعي البعض, بل إنها حركة عربية. أضيف إلى ذلك أن العرب ورثوا هذه العلوم من الشعوب التي سبقتهم, ثم نقلوها إلى الناس الآخرين عندما قد كانت الظروف مناسبة لهم لتبنيها. فبالتالي أقول إن الظروف لدى العرب كانت مناسبة ومثيرة لهذا النوع من الحركة العلمية في فترة الفتوحات الإسلامية, وفوق ذلك هذه الظروف تعاكس ظروف أوروبا في العصر قبل النهضة. أقصد الثورة في عقلية الناس الذين اتّجهوا خطوة فخطوة إلى إشباع اشتهائهم للمعرفة.
وبالنسبة إلى النهضة, يبدو لي أنه لو لم ينقل العرب علومهم إلى أوروبا, لوصلت أوروبا إلى نهضتها نفسها تدريجياً. على أنني أعتقد أن العرب سرّعوها بنقل المخطوطات اليونانية وتعميقها في المراكز الثقافية العربية. وداخل هذه المراكز أساس الأوروبيين مراكز ثقافية أيضاً وشجعوا عليها كما فعل النورمانديين في صقلية.
من الواجب الآن تقديم ملخّص النقاط البالغة الأهمية في قيام النهضة. وهي:

الاتصال بين العرب وأوروبا- لقد أفسح هذا الاتصال مجالاً لأوروبا للاستفادة من العلوم القديمة التي كانت قد فُقدت في أوروبا.


اضمحلال نفوذ الكنيسة- هيمنت الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى وعانى الإنسان خلالها  من عدم الحقوق وعدم المرونة لأنه تعرض للنظام الإقطاعي واعتمد فيها  مكان الفرد على الطبقة الثابتة التي ولد فيها لأنه لم يكن بوسعه التحرر منها. بيد أنه عندما اضمحلّ نفوذ الكنيسة ارتفع مكان الفرد ارتفاعاً قوياً في المجتمع. أدى هذا فيما بعد إلى الاعتراف بالإمكانيات الفكرية التي يملكها الإنسان.

نمو المدن الأوروبية- وصل عدد السكان في بغداد إلى أكثر من مليون نسمة أثناء الحكم العباسي, الأمر الذي جعل بغداد أعظم وأكبر مدينة في العالم. في حين أكبر مدينة في أوروبا تكونت من ليس أكثر من ١٠٠٠٠٠ نسمة.[38] إذاً يبدو أن نمو المدن سمح لها بازدهار الثقافة.

ازدياد الدخل- وهذا مرتبط بنمو المدن بسبب التجارة. سمحت الثروة الشخصية بتوفّر كتب واختراعات. ومع مرور الوقت, شجع الأمراء الأغنياء –خصوصاً في إيطاليا- على ازدهار الفن والأدب. ومن الملحوظ أن المدن العربية ازدهرت على خلفية ثروتها ورعاية الخليفة.

لقد غيّرت النهضة نظر الناس الأوروبيين كاملاً, ولذلك أدخلت أوروبا في العصر الحديث الذي شهد فوز العقل على خرفات وتحرير الفرد بفضل فصل الدين عن الدولة. وهذا نوع من العملية تستوجب يقظة لا يمكن ظهورها بوسيلة نقل علوم من الخارج فقط. بل ساهمت العناصر المذكورة في حياكة نسيج نفوس الأوروبيين خيطاً خيطاً حتى تضافرت وأنتجت هذه النهضة. على أننا لا نستطيع أن نستبعد الدور البالغ الأهمية الذي لعبه العرب في تلك العملية. فكان العرب يرفعون اللواء للابتكار ومهّدوا الطريق إلى النهضة الأوروبية. وقال الوؤرخ مسيو ليبري- "لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا الحديثة عدة قرون"[39]في النهاية, إنه من البديهي أن النهضة جاءت في أعقاب عوامل متعددة تداخلت في إيطاليا وأثارت حركة النهضة. ولكن كان دور العرب محورياً في إنجاز  هذه العملية مع أنها كانت عملية طبيعية. حاولتُ الكشف عن معظم هذه العوامل في هذا البحث بدون أن أبتعد عن الموضوع. على الرغم من ذلك يحتاج هذا الموضوع المهم والواسع النطاق إلى تحليل إضافي من أجل تسليط الضوء عليه.



المراجع

تاريخ الحضارة العربية, محمد الخطيب, دار علاء الدين, دمشق ٢٠٠٦

                حضارة أوروبا في العصور الوسطى, محمد الخطيب, دار علاء الدين, دمشق ٢٠٠٦

دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي, د. عبد الرحمن بدوي, دار القلم, بيروت ١٩٧٩

الكنيسة والعلم: تاريخ الصراع بين العقل الديني والعقل العلمي, الجزاء الأول, جورج مينوا, ترجمة موريس جلال, الأهالي ٢٠٠٥                                                                                                                            

كتاب التاريخ  للصف الحادي عشر ,من المنهج السوري للتعليم (التفاصيل مجهولة)
  موقع الإنترنتAr.wikipedia.org

 الموسوعة الإلكترونيةMicrosoft  Encarta  2009. 1993-2008 Microsoft Corporation



[1] محمد الخطيب- حضارة أوروبا في العصور الوسطى ص١٠-١١
[2]ص١٣٠ المرجع السابق
[3] المرجع السابق ص ١٤
[4] المرجع السابق ص٣٠
[5]والعلم: ٢٠٠٥ ص ١٠٧٣عن جورج مينوا-الكنيسةLa Pléiade باسكل-الأعمال الكاملة, مكتبة لابليد Pascal, Blaise
تاريخ الصراع بين العقل الديني والعقل العلمي, الجزاء الأول-الأهالي ص٧
[6] عن كتاب التاريخ  للصف الحادي عشر ,من المنهج السوري للتعليم ص٢٣
[7] Microsoft  Encarta  2009 1993-2008 Microsoft Corporation موسوعة الكترونية
[8] من كتاب التاريخ  للصف الحادي عشر ص٣٣ ,من المنهج السوري للتعليم
[9] حديث رقم٤٨٣٢الباني يعتبر هذا الحديث ضعيفاً, موجود أيضاً في الإنترنت مكتوب هكذا-"مداد العالِم أكثر قدسيةً عند الله من دم    Wikipedia.org                                                                                    الشهيد" عن
[10] Wikipedia.org
[11] Wikipedia.org الخريطة من
[12]  محمد الخطيب حضارة أوروبا في العصور الوسطى، ، ص ٢٠٦
[13]   Microsoft  Encarta  2009. 1993-2008 Microsoft Corporationموسوعة الكترونية
[14]  (مترجمة)en.wikipedia.org  عن
[15] د. بدوي, عبد الرحمن,- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي, دار القلم, بيروت ١٩٧٩ ص١٩
[16] Microsoft  Encarta  2009. 1993-2008 Microsoft Corporation" -Equatorial Diameter of Earth" 
[17] en.wikipedia.org عن
[18] en.wikipedia.org  عن
[19] محمد الخطيب- تاريخ الحضارة العربية ص ٢١٨
[20] د. بدوي, عبد الرحمن- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص ١٩
[21] ص٩٠  عن كتاب التاريخ  للصف الحادي عشر ,من المنهج السوري للتعليم
[22] د. بدوي, عبد الرحمن- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص٢٠
[23] المرجع السابقة ص ٢١
[24] Microsoft  Encarta  2009. 1993-2008 Microsoft Corporation-Abu Bakr Muhammed ibn Zakariya al-Razi
[25]د. بدوي, عبد الرحمن- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص٢٢
[26] محمد الخطيب- تاريخ الحضارة العربية-ص ٤٨
[27] المرجع السابق-ص ٤٨
[28]  المرجع السابق-ص٥٠
[29]  المرجع نفسه ص٥٠
[30] محمد الخطيب- حضارة أوروبا في العصور الوسطى ص٢٠٨
[31] د. بدوي, عبد الرحمن- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص٩
[32] محمد الخطيب- تاريخ الحضارة العربية-ص٢٩٨
[33] عن محمد الخطيب- حضارة أوروبا في العصور الوسطى ص ٨
[34] د. بدوي, عبد الرحمن- دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص٩
[35] محمد الخطيب- تاريخ الحضارة العربية-ص٣٠٢
[36] محمد الخطيب- حضارة أوروبا في العصور الوسطى ص٢١٣
[37] د. بدوي, عبد الرحمن, دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص٩
[38] En.wikipedia.org
[39]  عن  حضارة أوروبا في العصور الوسطى٬ محمد الخطيب ص٤٩

1 comment:

  1. مرحبا
    كنت أبحث في " جوجل " عن بعض المعلومات فوجدتني هنا
    سعيد بهذه الصدفة

    تحية
    أحمد سالمين

    ReplyDelete